أفرقة الشاشة الموروث الشفهي كبنية جمالية في السرد السينمائي

بقلم : أليس سمتس
ترجمة: إبراهيم شداد

“…لأن النهضة قد ما تنبني علي ماضٍ، لابد من التصالح مع هذا الماضي وفهمه. إنه لا يمكننا الرجوع ماديا إلى الماضي .. ولكنه يمكننا النظر في هذا الماضي لإستجلاء لماذا نحن علي ما نحن عليه الآن…”
Haile Gerima هايلي جريما

“…الحكواتي يستند فيما يحكي علي خبرته أو خبرات حكاها آخرون. والحكواتي بدوره يجعلها خبرة للذين يستمعون إلى حكاياته…”
Woalter Benjamin والتر بنجامين

أركيولوجيا السينما تحيل بداياتها إلى اللحظة التي تحلَق فيها اُناس حول نار يستمعون إلى حكايات بعضهم البعض بينما عين العقل تستدعي صوراً في اللهب المتراقص… وهكذا كان الموروث الشفهي وسيلة للإتصال ونشر المعرفة في أفريقيا، ذلك أن الحكواتي, بنمط حياته دائمة الترحال، مؤهل لسرد تاريخ الجماعة. والمستمع بدوره ينقل هذه المعرفة إلى آخرين وكذلك الآخرون إلى آخرين في عملية نقل لا نهائية من جيل إلى جيل. أن حكي الحكايات نوع من بث المعلومات إستبدلناه اليوم، في عالمنا متسارع الخطي، بوسائط أسرع كالكلمة المطبوعة والراديو والتلفزيون والسينما والإنترنت. ولكن حكي الحكايات يمثل نوعا من المعرفة الكاملة التي تفتقدها وسائط الإتصال الحديثة. وحسب والتر بنجامين (فيلسوف ألماني في المنتصف الأول من القرن العشرين) إن هذا التحول في وسائط الإتصال نتج عنه تغير كبير في إحساسنا وفهمنا للعالم. فالحكواتي هو دائما جزء من الحكاية ومتورط فيما يحكي، حتى بالنسبة لأشياء غريبة وأزمنة غابرة. انه ينسج وحدة زمانية ومكانية في بساط تجد فيه كل وجميع مناحي حياة الجماعة, عبر الأجيال, موضعا لها. إن الوجود المادي للحكواتي داخل الحكاية يسوق المستمع للإنتماء تماما للحكاية… وفي المقابل وسائط الإتصال الحديثة تقدم معرفة متشظية بلا مجسم. هي تطرح نتف من المعلومات مواضيعها منقوصة الهوية أو الخلفية أو المصدر… إن السينما والتلفزيون جمعتا الصور والأصوات والكلمة المنطوقة واستحضرتا أماكن بعيدة ووجوه أناس غرباء داخل حميمية غرف البيت. ولكن الوجود الإفتراضي وليس المادي لهذه الأصوات والوجوه التي نقربها منا بلا معرفة أو حميمية حقيقية تعزز فينا إحساساً بالغياب والضياع بدلا عن الحضور والتماسك. كما أن تدفق المعلومات عبر الإنترنت بعالمها العنكبوتي العريض يمركز ملايين البشر أمام شاشة الكمبيوتر، وتهيئ سرعة إنسياق ملايين القطع من المعلومات التي يطفح بها الفضاء الإفتراضي قدراً كبيراً من عدم التماسك حيث يبقي كل شئ قابلا لإرتباط لا متناه بكل شئ آخر… ولا شك إن هذا يعطي إحساسا بالحرية وبإتساع الآفاق والفكر، ولكنه أيضاً تجربة عميقة في التغريب واللا إنتماء. هذا الإحساس بالغربة هو موضوع أساسي في تجربة الشعوب تحت الإستعمار سابقا، ليس فقط نتيجة إستبدال ثقافة الناس عنوة بثقافة أخرى غريبة، بل لأنه جزء أصيل لصيق بالثقافة الغربية الحديثة البديلة… يصعب الإتفاق مع الذين يتباكون علي إختفاء الثقافات التقليدية ويطالبون بالعودة لما قبل الحياة الحديثة بصفتها نمط حياة أكثر حقيقية وأصالة .. وبغض النظر عن عدم إمكانية فعل ذلك وأنه أمر غير مستحب، الثقافة ليست ولم تكن قط ظاهرة ساكنة، إنها عضو حي تجدد نفسها بإستمرار، وبإستمرار تتغير بفعل الإكتشافات الجديدة والمؤثرات الواردة من خارجها، ترفض بعضها وتتلاءم مع بعضها حسب حاجة المرحلة المعينة. وسواء كان الإستعمار سلبياً أو إيجابياً لا يمكن نقضه فإنه جزء حقيقي من تجربة وتاريخ القارة الأفريقية. والإشكال الذي مازلنا نواجهه اليوم هو السرعة المفرطة والعنيفة التي طبقت بها الثقافة الأجنبية فوقفت حائلا دون العملية الطبيعية في النمو التدريجي والتبادل لتتكامل عادات جديدة مع القيم القديمة. هذا المنع للعملية السلمية، حيث تقوم الثقافة بإستئناس مناحي أجنبية في ذاتها، خلق هوة سحيقة بين الحياة التقليدية والحياة الحديثة وخلق هوية مشتتة لها رؤية دونية لتاريخها الذي لا يتجانس مع الواقع العام. هذا يضعنا اليوم في مواجهة مشروع منقوص للتصالح مع تاريخ مازال يبحث عن تحقيق ذاته. ليس المطلوب عودة للماضي إنما نظرة للخلف تلملم كل الخيوط الفالتة في المسار لنسج زركشة جديدة للحاضر. إن رد الإعتبار لتاريخ محتقر هو الإعتراف بميزاته ومتانته وإيجاد موضع له في الحاضر، لأن الحاضر ما هو إلا إعادة تأويل متواصل للماضي… ويبقي السؤال بأي منظور وبأي أدوات نتوجه نحو ذلك، والسؤال الأهم ما هي حكاياتنا التي ستمكننا من ذلك؟؟

Mbissine Thérèse Diop in La noire de… (1966)

الصور المتحركة لها أهمية قصوى في نسج وتشكيل الحاضر. وتقنياتها كما نعرفها اليوم هي نتاج تاريخ طويل من الإبداع العلمي مسنود بكوكبة من القيم المعينة والتوجهات الخاصة بالعالم الغربي. هذا يعني أن السينما هي في حد ذاتها وسيلة أيديولوجية مشفرة. داخلها اطروحات وتقاليد أجنبية مدونة. والمهمة التي بين يدي السينمائيين الأفارقة هي كيفية إعداد وصياغة هذه الوسيلة ,المشفرة بمضامين طرح غربية, لتتحدث عن وتتحدث إلى الثقافة الأفريقية.

هناك حركة ثقافية سياسية مهمة هي فيما يسمي “بالسينما الثالثة” في أمريكا اللاتينية.. و يشير إليها البعض بإزدراء “سينما العالم الثالث”. هي سينما لا تتراجع إلى ما قبل أشكال الطرح الثقافي الحديث ولا هي أيضاً تتشبث بعالم يهيمن عليه النظام الغربي، بل هي تبحث عن درب ثالث، درب يعايش بين تقنية أجنبية للإنتاج والعرض وبين فلسفة محلية للأفكار والمعتقدات. درب لا يكتفي بإستغلال الوسيلة لمواضيعه الخاصة بل يتعداها إلى صياغة بنيان الوسيلة ذاتها، إلى قواعد الفن السينمائي، وبذلك يضع نموذج الطرح الغربي في موضع التسآؤل. إن مواجهة السينما الثالثة مع الميول التسلطية للسينما الغربية تتضمن إبداع شكل ومضمون يعبر عن ما يمكن الإشارة إليه “بأفرقة المعرفة”، إعادة تدوين تقاليد الفن السينمائي من الداخل، … وبما أن الصور المتحركة هي الأداة المهيمنة الآن علي إنتاج ونشر المعرفة تصبح هي بالضرورة ليس فقط الوسيلة التي نعبر بها عن أنفسنا للعالم الخارجي بل أيضا الوسيلة التي نبني بها ثقافتنا وهويتنا. فهي المكان المثالي لما هو في جوهره ممارسة للسياسة الثقافية.
“السينما الأفريقية” لها سوابق تتمثل في الموروث الشفهي الأفريقي. فالحكايات تلعب دوراً هاماً في التعبير وبناء القيم الثقافية والمعتقدات. إن الحياة العادية متشظية ومشوشة تضج بقدر كبير من الأحداث والناس والأفكار. والحكواتي عبر الحكي وأسلوبه في الحكي وبواسطة إختيار وترتيب عناصر معينة فيه يخلق النظام من الفوضوي ويكشف لنا عن شئ مهم في حياتنا. والسؤال هو كيف نعيد الإرث الفني الأفريقي الماضي ونعطيه الحيوية الفائقة من خلال وسيلة معاصرة كالفيلم؟؟
السينما الأفريقية أخذت تظهر ببطء في أسواق السينما العالمية من خلال سينمائيين مهمين إتخذوا موقفا واضحا من الإستعانة بالموروث الشفهي لثقافتهم وذلك لإبتداع لغة سينمائية جديدة. فأفلامهم تضع تأكيدا جديدا علي التقليد الأفريقي للحكاية والذي يجعل لها مقصداً محدداً. الإرث الشفهي، بناءه ولغته الخاصة، صار محل بحث وإكتشاف من قبل السينمائيين الأفارقة وأيضا المؤرخين والنقاد. فدراساتهم في غاية الأهمية لفهم تراكيب العمل السينمائي الأفريقي وفهم الأفلام الافريقية ذاتها.

Aoua Sangare in Yeelen (1987)

إن مشكلة العقل الكولونيالي الذي لا يتوجه بالنقد لموضوع إستعارته للغة السينمائية غير الأفريقية، لحاجته العاجلة لتحصيل محلي للمعرفة، يمكن رصدها في غالبية إنتاج الفيديو لشرق أفريقيا الذي يتسم بمحاباة جنس تقليدي معين للفيلم التسجيلي الغربي. هذا الجنس من الفيلم التسجيلي هو أفضل مثال للإستدلال علي القواعد السينمائية المشفرة إيديولوجيا. وهنا تحديدا في بنية إزدواجية متطرفة للعالم الموضوعي والعالم الذاتي تأسست علي شكل معين من المعرفة كما تطورت عبر قرون في العالم الغربي. هي تجعل من الذات كيانا مستقلا يكمن في قمة وخارج ما يمكن إدراكه وهكذا يجوز إعتباره ,جدلاً, حقيقة موضوعية. ذلك نظام تفكير وقيم كانت القوة المحركة للفكر الغربي في سيادته للعالم. أعطته الشرعية والتبريرات اللازمة ليتحكم في البشر وفي الطبيعة بوصفهما أشياء منفصلة عن نفسه. إن تقنية التعليق voice-over في اللغة السينمائية تستند علي تصنع الموضوعية والتجرد عبر معلق يقدم ما يتحدث عنه وكأنه شئ حقيقي، شئ هو لا دخل له فيه وعليه ليس لديه مسؤولية تجاهه. ومع أن تقنية التعليق هي مشاعة حتى بالنسبة للحكاية إلا أنه في نظام القيم الأفريقية الموروثة ليس هناك فصل جوهري بين العالم الموضوعي والعالم الذاتي. هناك تواصل سلس بين العالمين، بين الحقيقة والمتخيل. الحكواتي دائما متضمن في الحكاية التي يحكيها. هو جزء منها ويحكيها كما لو أنها حدثت له. فوجوده الواقعي داخل الحكاية يقود المستمعين بشكل ودود ومؤثر إلى داخل الحكاية ليصبحون أيضا جزءاً منها.

السينمائي الكاميروني جان-ماري تنو Jean – Marie Teno، ورغما عن أنه يعمل من خلال تقليد الفيلم التسجيلي إلا أنه يورط نفسه في موضوع فيلمه لدرجة أنه في فيلمه “زعيم Chief” يقرر إيقاف التصوير ليتدخل في معركة بهدف حماية طفل سرق دجاجة من الضرب … وهذا الفعل هو نقيض تقليد السينما التسجيلية الغربية والذي يأمر بعدم إيقاف التصوير لأي سبب كان وعلي السينمائي أن يبقي متخفيا خلف الكاميرا ليسجل الحدث وكأنه غير موجود شخصيا. إن أفلام تنو التسجيلية الملتزمة والتي تضع المعلق في موقع “الأنا” صار يمارسها الآن عدد من السينمائيين الغربيين وأفضل مثال علي ذلك هو المخرج الأمريكي مايكل مور.
لقد أدت في السنوات الأخيرة مواجهة نظم الفكر والعرض غير الغربيين مع الممارسة الغربية إلى تسآؤل عميق ساهم في تغيير نظم القيم التقليدية الغربية والتي تقوم علي الفصل المتطرف بين الفاعل والفعل، بين الذات والموضوع. لقد حل محلها ببطء تصور بأننا دائما جزء أصيل من الموقف الذي نجد أنفسنا فيه، وأنه ليس هناك حقيقة موضوعية يمكن إدراكها من خارج ذواتنا…وليس هناك حكاية واحدة…أو حقيقة واحدة…أو خالق واحد. ولكن فقط هناك حكايات مختلفة يؤلفها الناس لأنفسهم عن العالم. فتصبح معتقدات تتغير أبداً ولها تأثير عميق علي الطريقة التي ندرك بها العالم والطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا والواقع وكل شئ آخر.
هذا يصل بنا إلى الصفة التالية للأفلام التسجيلية الشرق أفريقية هي أنها ترغب بوضوح شديد في تعليم المشاهد. هذه الأفلام عادة ما تنتج لتقوم بدور تعليمي كناقل للمعلومات والرسائل الأخلاقية. والتعليم هو أيضا هدف مهم بالنسبة إلى الموروث الشفهي، فالحكايات التقليدية تتصف بمقومات أدبية وأخلاقية قوية في روايتها للأحداث اليومية عبر إستعمال صور بلاغية كالإستعارة والمجاز والرمز والأسطورة. الحكايات تتضمن حكمة تنير التصرف حيال موقف معين، وتدُل علي قيم يجب التمسك بها وعلي سلوك أخلاقي يجدُر مراعاته. ولكن الأفلام التسجيلية لشرق أفريقيا غالباً لا تتسآءل، لا السينمائيون أنفسهم ولا المنظمات القائمة علي أمر هذه الأفلام، وهي في الغالب منظمات أجنبية، عن حقيقة وجود كيفية محلية تقدم عبر الحياة بأسلوب أكثر فعالية وأكثر قيمة من الكيفية الغربية التي يطبقونها. وإذا سلمنا جدلاً بأن الوس

Ceddo (1977)

يلة هي الرسالة، وإذا كنا حقيقة نود التواصل مع الجماهير فلنخاطبهم بواسطة ثقافتهم وماضيهم ولنستجوب بجدية هذا الوسيط لكي نسترد القيم الكامنة فيه والتي أهملناها منذ أمدٍ طويل.
فرجة الفيلم كتجربة جماعية حلت محل الحلقة حول النار والفرجة علي الحكواتي يحكي حكاياته. اليوم يتحلق الناس بنفس الطريقة أمام شاشة السينما أو التلفاز لإستنارة جماعية. والملاحظ في هذا الصدد إن المسلسل التلقزيوني “سقانا موتو موتو Sigana Moto Moto” الذي اُنجز بالتعاون بين مجموعة رواة الحكايات “زاميليو آكت وشركة سينماتك سوليوشنز Zameleo Act And Cinematic Solutions” في كينيا حاول إكتشاف ملاءمة الموروث الشفهي الأفريقي القديم كالحواديت الشعبية، الخرافات، الأساطير وقصص الحيوانات التي جمعت من مجتمعات أفريقية مختلفة لمشاهدي التلفزيون في الحاضر. وهكذا تتخذ الصور المتحركة موقع الحكواتي تعلم وتسلي، وهكذا يأخذ السينمائي دورا مشابها لدور الحكواتي في المجتمع.
في أعمال كبير سينمائي أفريقيا “عثمان سمبين Ousmane Sembene” الذي بدأ كاتبا روائياً ثم إنتقل إلى السينما بهدف الوصول إلى جمهور أكبر ولكنه أقل تعليما، يمكننا التعرف علي إمكانيات سرد كثيرا ما تكون موصولة بتقاليد السرد القديمة للحاكي والتي تقنن السرد في أفلامه: “بورم سارت Borom Sarret”، “خالا Xala”، “سيدو Ceddo” فأسلوب السرد الشفهي للحكاية يستعمل لتوجيه قواعد السينما كإستعمال تكنيك المونتاج ليعمل بالفلاش باك لشد الانتباه لجدلية الماضي والحاضر وتبيان ميوعة الحدود بين الحقيقة والخيال.

وفي أفلام المخرج الكنغولي” مويزي نقانقوراMwez Ngangura يظهر الحكواتي كشخصية متعددة الأنظمة تعبر عن رسالتها بالكلمة المنطوقة، بالموسيقي وبالرقص ويعاضد ذلك تراكيب الفيلم التي تأخذ شكلا سينمائيا معادلا لفن الحكي عند الحكواتي. وفي أفلامه “الحياة يانعة Life is Rosy” و”ملابس الحاكم الجديدة The Governors New Clothes” عناصر كالتعليق، والغناء والرقص والقصة داخل القصة تعين وظيفة محددة للأفلام والتي تستحضر أشكالا ثقافية كالحكاية الشفهية بينما هي تنجح تماما في نفس الوقت في خلق لغة سينمائية جماهيرية سلسة. وفي حين أن سينمائيين كعثمان سمبين يوظفون الحكواتي كمعلق غائب – خارج الشاشة – نجد في فيلم نقانقورا “ملابس الحاكم الجديدة” أن الحكواتي يقوم بدوره الموسيقار الكنغولي الشهير “بابا ويمبا “Papa Wemba وهو يظهر داخل صندوق صغير في الشاشة يتحدث مباشرة إلى الكاميرا وإلي الجمهور وبهذه الطريقة يحافظ نقانقورا علي مثلث العلاقات المهم بالنسبة للحكاية الشفهية – الحكواتي، الحكاية، والجمهور-. وأما فيلم”أنقانو…أنقانو. حكايات من مدغشقرAngano…Angano. Tales from Madagascar ” لسيزار و ماري- كليمانص بايز Cesar and Marie-Clemance Paes يضع الموروث الشفهي في مضمونه الإجتماعي بالتحديد ليكشف التحولات اللانهائية والتي ربما تكون وهمية للحدود بين الواقع والخرافة، وهي صفة كما رأينا من قبل مميزة للرؤية الأفريقية للعالم.

Balla Moussa Keita in Yeelen (1987)

إن أكثر الأفلام الأفريقية نجاحا، كفيلم” ييلن Yeelen” لسليمان سيسي Soulemane Cisse الذي يحكي بحث بطل الفيلم عن المعرفة الخاصة بقومه وفي نفس الوقت أيضا بحث المخرج عن لغة سينمائية محلية، تنغمس في الماضي ولكن ليس لتهرب من الحاضر أو تنزلق في مجاهل النوستالجيا بل لتستخلص معرفة وقيم تتعلق بالزمن الحاضر وبظروف المشاهدين. سيسي يضع في فيلمه الشكل والمضمون داخل سياق إجتماعي وثقافي وتاريخي فيخلق أسلوب خطاب يتعدي تقاليد الفيلم العامة. وهكذا يمدد أيضا حدود المعتقدات الموروثة والحديثة محققا توليفة بين القديم والحديث تؤدي إلى شكل جديد تماما ليس مضادا لدور الحكواتي كما تعرفه التقاليد بل مطابق له. الحكواتي دائما يمارس إعادة كتابة وإعادة تأويل القصة التي وصلت إليه عبر الأجيال وذلك ليفي بإحتياجات المستمعين إليه…في فيلم “ملابس الحاكم الجديدة” نقانقورا يتناول حدوتة شعبية غربية تدعي “ملابس الإمبراطور الجديدة The Emperor’s new Clothes” ليحكي حكاية معاصرة عن الجشع والأنانية التي يدفع إليهما رفاهية وغني العالم الغربي. ويبقي بطل الفيلم في النهاية فعليا ومعنويا عار أمام حقيقة أن الأشياء الأكثر أهمية قريبة منه وفي وطنه.
إن وظيفة الغناء والرقص هنا تشابه وظيفة الحكواتي المتعددة الجوانب والأنظمة، وبذات القدر وظيفة الثقافة الجماهيرية الكنغولية في الوقت الحاضر.
مثال جيد آخر لممارسة إعادة الصياغة نجده في الفيلم القصير”Kare Kare Zwako-Mother’s Day يوم ألام كاري كاري زواكو” لمخرجه Tsitsi Dangaremba. الفيلم يرتكز علي حكاية شعبية قديمة من قبيلة شونا Shona تقدم كمهزلة معاصرة تتناول العلاقة بين الجنسين. والفيلم يتمادي في وجهة النظر المحافظة التي تؤمن بأن التضحية طبيعة أصيلة في المرأة وخصوصا في دورها كزوجة وكأم لدرجة أن يقوم الأب والأطفال حرفيا بأكلها. فالفيلم يلعب علي فكرة أن علاقات الجندر (النوع) مدونة في وعبر تصورات لجسد المرأة. الفيلم لا يستعير فقط الحكاية الشعبية بل أيضا بناءها. إنه يوظف وسيلة التكرار والذي هو أحد خواص الحكاية الشفهية عن طريق الغناء المتكرر طوال الفيلم. كما أنه يحكي حكاية داخل حكاية إذ تبدأ الأم تحكي حكايتها…” كان في قديم الزمان ……..
هناك جهد مثابر لعدد من السينمائيين الأفارقة في تطوير إنتاج سينمائي إيجابي والإستعانة به كوسيلة ناطقة بإسم الجماهير. ولكن تجارب الوصول إلى شكل محلي للفن السينمائي تقعدها مشكلة الوصول إلى الجمهور الأفريقي. فهو ذات الجمهور المعتاد بعمق علي التقاليد السينمائية المقررة من هوليود، تقاليد هي في ذاتها تعبير عن تخليد وإستمرار الصورة السلبية للعالم غير الغربي. هذا يضاعف المسؤولية علي صناع الفيلم الأفريقي في الإبتداع لإستقطاب جمهور للفيلم الأفريقي حتى تتكون لديه إستجابة عريضة ويصبح هناك مطلب جماهيري لهذه الأفلام الأفريقية.
محاولة إخراج العمل السينمائي من الهامش في الحاضر لن تفلح إلاّ برفع الوعي الجماهيري وبتغيير نمط مزاج الجمهور. ورغم أن كثيرا من السينمائيين الأفارقة قد صاغوا اللغة السينمائية علي وجه أفريقي إلا أن ذلك لم ينجح في خلق جمهور أفريقي جديد قابل لإكتشاف نماذج مختلفة وتذوق معان أخرى.
إتاحة الفرصة للجماهير لمشاهدة الأفلام الأفريقية أمر لا يقل أهمية عن إنتاج الأفلام نفسها. والواقع إن توزيع الأفلام الأفريقية داخل القارة الأفريقية مزري للغاية يكشف عن موقف سياسي خطير وله مردود سياسي خطير. والتحدي الذي يجابه السينمائيين هو كيفية تغيير السياسات الرسمية وأيضاً تغيير العقلية السائدة بين الجمهور؟
في الموروث الشفهي الحكاية تبقي شائقةً ومثيرةً للمشاهدين عبر إبداع الحكواتي في سرد التجربة الخاصة أو العامة وفي كيفية تزويقه لحبكتها.
إن الإرث الشفهي وجماليات السينما الأفريقية, كما ألمحنا هنا, موضوع يحتاج إلى بحث متعدد المداخل والآفاق يفسح مجاله وينير مستقبله ويدرس تطبيقاته علي الأفلام السينمائية. إنه بحث بدأ حديثا جداً، يتعدي في الواقع المجال السينمائي إلى كل مناحي التعبير الأفريقي.

Alice Smits is co-director of the Amakula Kampala International Film Festival.

The Africanization of the Screen
Oral tradition as an aesthetic device in cinematic narrative
By Alice Smits

This article is part of the publications of the 2nd Amakula Festival 2005.


من مجلة سينما – العدد الثانى – مارس 2017- اصدارة غير دورية تصدر عن جماعة الفيلم السودانى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *