تجليات السرد فى بنية الفيلم السينمائى

 

الطيب مهدى _ مخرج سينمائي

إن عالم الشاشه لايمكن أن يوضع

بجانب عالمنا، بل هو يحل محله بالضرورة،

لأن مفهوم العالم نفسه مفهوم يتعلق بالمكان،

ولمدة ما يستغرفه الفيلم من وقت على الشاشة

فإن شريط الفيلم على الشاشة سيكون عالمنا الجديد.         

                                                                           أندريه بازان 

تختلف طريقة كتابة الرواية عن طريقة كتابة الفيلم، ففى حين تنجز الرواية على الورق بواسطة الكتابة (اللغة) ينجز الفيلم على شريط حساس للضوء عبر مراحل من تجسيد المشاهد ثم تجزأتها إلى صور ولقطات منفردة ثم ربط هذه الصور نفسها فى مشاهد من جديد بوسائل بصرية سمعية بواسطة تقنيات وأدوات عديدة: الكاميرا – الإضاءة – الصوت – الألوان – المناظر –  المونتاج ….. الخ

وكل ذلك يترك أثره الواضح فى طريقة السرد كما إن ذلك هو الفرق الأساسى بين الحكى الروائى والحكى الفيلمى، كما تفترق هنا أيضاً طرق بناء الفيلم عن بناء الرواية.

تعتمد الرواية على الخيال الذى يشتغل على إحساس القاريء … فهى تعتمد عى التأثير الحسى ويتم العمل فيها عن طريق اللغة المكتوبة، إذن فهى تعتمد على إمكانيات اللغة فى التوصيل وإمكانيات المؤلف.

فى الفيلم يحتاج التخيل الى أن يتم تحديد مناطق الحدث فى الفكرة أو القصة والتى تعالج بوسائط الفعل الدرامى المجسد فى أفعال مرئية ومسموعة. إذن فهو يستخدم وسائل فنية ( قد تكون اللغة جزء منها ) ولكن كل الفنون الزمانية والمكانية متاحة للفيلم فى بناء سرديته.

الفيلم ولأنه يعمل فى الصورة المتجذرة فى الواقع فهو يشتغل على أدوات هذا الواقع  نفسها وإستخراج دلالاته من رموزه نفسها، يعبر عن الكرسى بالكرسى وعن الشجرة بالشجرة وعن الكلب بالكلب.

ولكن هنالك إمكانيات تعبير غير محدودة فى صياغة طريقة التعبير عنها بوسائله البصرية السمعية .

يقول جان كوكتو:(لا تزال السينما شكلاً من أشكال الفنون التصويرية … إننى من خلالها اكتب بالصورة … وأصور مايحكيه الآخرون … وعلى سبيل المثال فإننى لا أحكى عن العبور من خلال المرايا، إننى أصور هذا العبور من خلال الصور وأثبته بشكل ما.) إختلاف لغة الفيلم عن لغة الروايه هو الذى يفرض شرط الحكى فى كلا الوسيطين .

ويختلف شرط الحكى هذا باختلاف مسارات الفنين فى وسائلهما وأدواتهما فى توصيل الحكاية وبأى كيفية. يقول بات كوبر وكين دانسايجر: ( ربما ليس هنالك عنصر فى السينما أقوى فيما يخص السرد من منظور الواقع نفسه … إن للصور على الشاشة مصداقية ووزناً فى حد ذاتها وبطريقة مغايرة لاتملكها الكلمات.)

تتكون المشاهد السردية السينمائية عن طريق التجميع البصرى لمجموعة من المعطيات المرئية والمسموعة حيث ينجز الفيلم على شريط حساس للضوء عبر مراحل من تجسيد المشاهد ثم تجزئتها الى صور ولقطات منفرده ثم ربط هذه الصور نفسها فى مشاهد من جديد بوسائل بصرية سمعية وبواسطة تقنيات وأدوات عديدة تترك أثرها دون شك فى طريقة السرد.

ويتحدث فاضل الاسود عن علاقة الفيلم بالواقع ( إن  الفيلم يقيم علاقة ارتباط ثلاثية حيث ان الفيلم هو نظام من الاشارات والرموز على مستوى اللقطة أو مجموعة اللقطات، وهذه الاشارات تكون نظاماً سيمولوجياً لايطابق سيميولوجيات الواقع فقط ولكنه يتفوق عليها حيث يختزلها بكثافة داخل إطار اللقطة، ومن ثم فإن السينما لا تعيد إنتاج الواقع من خلال التطابق أو التماثل  أو التمثيل ولكنها تضيف عليه قوة تعبيرية لم تكن موجودة فى الاشياء أو الموجودات فى عالم الواقع. )

ينبنى الفيلم السينمائى على أسس مختلفة عن الأسس التى ينبنى عليه السرد فى الرواية أو الدراما فى المسرح وذلك لإختلاف اللغة التى يستخدمها كل منها، ونستعرض هنا اللغة التى يستخدمها الفيلم فى بناءه المرئى السمعى .

– التصوير

– المونتاج

– الصوت

عندما تم إختراع الكاميرا التى تصور الحركة فى اواخر القرن التاسع عشر أصبح ممكناً ولادة فن جديد ولكن وجود هذا الفن نفسه كان عليه أن يشق طريقاً صعبة حتى يصبح ماهو عليه اليوم .

وقد ارتبط تحرير الفن السينمائى بتحرير الكاميرا من الفوتوغرافيا ومن ثبات الكاميرا الى تحريكها وتعتبر هى الوحدة الأساسية فى بناء الفيلم. وتنوع اللقطات فى احجامها إبتعاداً واقتراباً إضافة للصيروره الدائمة للموضوعات داخل اللقطة وهى فى حالة الحوار بين السكون والحركة .

وإذا كان تعريف اللقطة فى المصطلح الفيلمى هى الجزء من الفيلم الذى يبدأ من بداية تشغيل الكاميرا حتى ايقافها ، فإن تعريف اللقطة عند كبار منظرى السينما يكسب اللقطة أهمية عالية:

– فاللقطة عند كوليشوف هى حجرة بناء الفيلم .

– وهى عند ايزنشتين بمثابة الخلية فى الفيلم.

– وهى عند بودوفكين العنصر الهام فى بناء الفيلم.

– وعند جان ميترى هى الشرط الاساسى فى الشكل السينمائى .

تقترح زاوية الكاميرا أوضاعاً عديدة للنظر للموضوع، فمن الزاوية المنخفضة الى زاوية مستوى النظر المرتفعة بالاضافة الى الزوايا الجانبية والمائلة … والزاوية التى تصور منها اللقطة يمكن أن تقوم بدور التعليق من قبل المؤلف أو المخرج للموضوع وكثيراً ماتعكس الزاوية موقفه تجاه موضوعه … اذا كانت الزاوية بسيطة يمكن لها أن تقوم بفعل نوع من التكوين العاطفى الدقيق، واذا كانت متطرفة يمكن لها أن تمثل المعنى الرئيسى للصورة.

الزاوية المرتفعه مثلاً يمكن أن تظهر الشخصيات ضعيفة ومنهزمة ومسحوقه. والزاوية المنخفضة يمكن أن تمثل منتوجاً عكسياً.

الانواع العديدة لحركة الكاميرا تخلف تنوعاً واسعاً فى مجال الرؤية، فمن الحركة الافقية يميناً ويساراً الى الحركة الرأسية الى أعلى أو أسفل. حركة جسم الكاميرا نفسها بجميع وسائل الحركة المتاحة بجانب الحركة المحمولة على اليد وحركة العدسة الزوم أماماً وخلفاً.

حركة الكاميرا التى تصف الموضوع والحركة التى تتابع الموضوع، الحركة المنقضة والحركة المبتعده، الحركة البطيئه والحركة السريعه .

حركة الكاميرا هى خاصيه أساسيه فى بنيه الفيلم السينمائى أتاحت له امكانات لغوية هائلة واتخذت السينما احد اسمائها منها ( فن الصور المتحركة ) Motion Pictures  .

إضافه بالطبع لحركة الموضوعات داخل الصورة والحركة التى يخلقها المونتاج وحركة شريط الفيلم داخل آلة العرض .

الحركة هى أساس النظام الايقاعى فى الفيلم وقاعدتة، فالحركة هى العتصر السائد فى الصياغة السينمائية وهى المبدأ الموحد والمنظم للسرد السينمائى ويستطيع هذا المبدأ أن يؤطر العناصر والاجزاء والتفاصيل ويوجد الحلول التشكلية والمونتاجية ويقود كل عناصر العمل الفيلمى الى كلية عضوية فى وحدة متماسكة.

أتاح إستخدام عدسات الكاميرا أيضاً نوعاً من الرؤية للموضوعات تتجاوز رؤية العين المجرده ومدَ فى أمكانية البصر لتكتسب الصورة على الشاشة إمكانيات اخرى فنية وتعبيرية.

وتوظف أنواع العدسات المختلفة: العدسة العاديه والطويلة والواسعة والمتغيرة البعد البؤرى فى خلق صور مرئيه تتسع لخيارات بصريه غنيه ومتنوعة.

وبواسطة العدسة أمكن خلق عمق المجال. Depth of field  فى اللقطة والذى أتاح للإخراج توظيفات عميقة للمكان ومحتوياته وتنظيم حركة الموضوعات والأشخاص داخله فيما عرف بلإخراج فى عمق المجال.

تعتبر الإضاءة وسيلة التصوير لقيادة عين المتلقى الى مناطق الإناره أو مناطق العتمة. وتستخدم السينما الإضاءة الطبيعية (الشمس والقمر ) أو الإضاءة الاصطناعية ( المصابيح والكشافات ) والإضاءة هى التى تخلق الجو الدرامى المطلوب فى الفيلم بالتحكم فى الدرجه العامة للإضاءة من حيث ارتفاعها أو إنخفاضها، أو مناطق الظلال. وكلما أنخفضت الدرجة العامة للاضاءة وزادت نسبة التباين ومناطق الظلال فى الصورة، كلما كان ذلك باعثاً على خلق مشاعر التوتر والقلق والحزن والعكس صحيح .

كما تستخدم الاضاءة لتشكيل الموضوعات فى الصورة واجتراح معان رمزية. ويتم ذلك عن طريق التحكم فى زاوية سقوط الضوء الموجة للموضوع، وهنالك فارق كبير بين ما إذا كانت الاضاءة من الخلف أو من الامام. من أعلى أو من أسفل أو من احد الجوانب، فكل اتجاه من هذه الاتجاهات يعطى تأثيراً مختلفاً للشئ نفسه. بل أن الضوء الذى يمكن تحريكه على مشهد يمكن إستغلاله لتجزيئ الحركة فى هذا المشهد وتحقق الاضاءة غايات فنية عديدة فى لغة السرد السينمائى وفى خلق مؤثر بصرى هو نسيج الصورة ومقدرتها التعبيرية، فهى بالتعاون مع عوامل اخرى تحقق السيادة للموضوع الرئيسى وتحقق التوازن ، وتحقق التأثير الدرامى وتعطى الإحساس المطلوب بالعمق الفراغى.

اللون يميل الى أن يكون من الناحية السيكولوجية عنصراً لاواعيا فهو قوى العاطفة فى مفعوله وهو معبر وخالق للأجواء أكثر منه عنصرا ذكياً واعياً، وقد اكتشف علماء النفس بأنه بينما يحاول أكثر الناس تفسير خطوط التكوين بفعاليه فإنهم يمليون الى قبول اللون بلا فعالية تاركين له الايحاء بالاجواء Moods  وليس الموجودات الملموسة. ويشار الى انه بينما الخطوط ترتبط بالاسماء، ترتبط الالوان بالصفات. والخطوط والالوان توحى مجتمعة بالمعنى ولكن بطرق مختلفة.

وقد حاول كثير من المخرجين ومديرى التصوير إستخدام اللون إستخدامات درامية مستفيدين من تصنيفات علماء النفس لإيحاءات الالوان المختلفة. وقد شكلت الإضاءة واللون كأداتى  تعبير عنصراً مهماً فى خلق بلاغية الصورة السينمائية.

المونتاج هو عرض الصور واللقطات فى نسق متماسك … محدد فى الزمان والمكان. ومن تقابل صورتين يتولد المعنى، أى الفكره التى لاترتبط بأى من الصورتين على حده.

يقول ديفيد أ . كوك: (المونتاج هو تركيب اللقطات فى كليات نظامية موحدة، إن التجزئة والتجميع متقابلين هما نتيجة سايكلوجية مما يجعل من مشاهدة الفيلم عملية مختلفة عن مشاهدة لوحة مثلاً، فالفيلم بعد المونتاج يتخذ نظاماً قائماً على صور الموضوعات …)

المونتاج يعيد بناء الواقع تشكلياً وفكرياً ونظراً لطابع المونتاج الجمالى، فإنه يظل من بين وسائل التعبير السينمائى الاكثر خصوصية .

اللقطة تظل وحدة منفصلة ليس لها معنى وحدها الا عندما يتم تجميعها … فى هذه اللحظة تختفى وحدانية اللقطة ولا يصبح لها وجود فردى لأنها تذوب فى الفيلم لتخلق وجوداً آخرا.

يذكر سيجفريد كراكاور: (إن الوسيلة التقنية الأساسية للسينما هى المونتاج الذى يعمل على صناعة وتوضيح الأفكار بواسطة التوظيف المحكم للكادرات). وفى بحثه عن قوانين للمونتاج رأى ان احد تلك القوانين يتمثل فى أن احتياج كل عمل سينمائى الى التوليف يتم فى اطار درامى محدد بهدف تطوير المضمون وتعميق التصور فى كل العلاقات المرئية وغير المرئية لذلك العمل.

إن المونتاج هو أسلوب سردى يعتمد على كسر الاستمرارية ويعمل على إعادتها من جانب آخر أو بشكل مختلف ويرجع ذلك لمفهوم الإنتقاء والاختزال الذى يعتمد عليه المونتاج.

ويشير بيللا بالاش الى ( إن العناصر الرئيسية للغة السينما هى اللقطة القريبة التى تميز السينما عن المسرح، والمونتاج الذى يخلق الكثافة الدرامية حيث تكون لقطات متفرقة مشبعة بتوتر ذى دلالة تثور مثل شرارة كهربائية حيث تعقب لقطة أخرى.)

المونتاج يعمل على تحقيق أنواع خاصة من العلاقات عن طريق ترتيب السرد وإعادة ترتيب اللقطات، وهو الذى يعطى الفيلم إيقاعه المرئى المسموع.

يعمل  المونتاج على كسر إستمرارية المكان والزمان، كلما كثر عدد اللقطات كانت هنالك فرصة أوسع لهذا الكسر وبالتالى فرصة أكبر لإعادة تشكيل المكان والزمان والحركة وتحقيق مشاركه إيجابية من المشاهد فى إعادة تشكيل الحدث. وتتيح فرصة التعبير وإعادة الترتيب هذه فى بناء سياقات جديده وإعادة توليد معانٍ جديدة.

كثير من المعنيين بعلم جمال السينما يعتبرون هذه الطريقة أقرب لطبيعة الفن السينمائى لأنها أقرب للكشف عن جوهر الواقع، وتسمى باسلوب المونتاج واحد روادها المخرج الروسى سيرجى ايزنشتين.

طريقة أخرى ترى أن تترك اللقطة الطويلة بلا أدنى قدر من التدخل فى مجريات الامور داخل اللقطة أو علاقة الإنسان ببيئته. وضرورة الاقلال من حركة الكاميرا إن لم يكن ثباتها دون حركة.

وتشتغل هذه الطريقة على اللقطات العامه لرؤية اكبر قدر من الواقع، وأن تترك للمشاهد الحرية لكى يتنقل ببصره بملء إرادته دون فرض المونتاج عليه تعسفياً ودون كسر لإستمرارية المكان والزمان، وتعرف هذه الطريقة بطريقة ( الاوضاع فى المشهد) وقد إستخدمها اورسون ويلز فى فيلم (المواطن كين) كما إستخدمها بعض مخرجى الموجة الجديدة الفرنسية. لقد أسهم المونتاج عميقاً فى خلق البنية الفيلمية، فرغم ان الفيلم يقوم على نظام التفتييت والتجزئة وعدم الإستمرارية، وعن طريق القفز والانتقال من صورة لأخرى وتنشأ فى نقاط تماس هذه الصور فجوات يلزم أن تحشد عن طريق ايحاءات قادرة على الامساك بالاستمرارية، وهى من جهة أخرى تروى حكايتها فى سردية متماسكة … موحدة عن طريق جعل الصور المنفردة جزء من كل موحد، وهى طريقة لم تكن معروفة فى فنون السرد الأخرى وقد أسهمت طرائق وتقنيات السرد فى السينما فى رفد الرؤية الحديثة بامكانات تعبيرية جديدة.

يمثل الصوت الشق الآخر فى البنية والمعادلة البصرية السمعية ويشمل الصوت فى الفيلم على أربع عناصر هى الاصوات اللفظية والمؤثرات الصوتية والموسيقى التصويرية والصمت.

يقول مارسيل مارتان: (إن اتقان الصوت والإستخدام المناسب له دفعا السينما بلا جدال فى طريق التقدم وفتحا أمامها آفاقاً جديدة، كما أنهما غيرا جماليتها تغييراً عميقاً).

إن إستخدام الصوت فى الفيلم يجب الا يعمل كمساند للصورة أو العكس بل يعمل كل منهما بالتعاقب عبر ضرب من سباق التناوب والتجاذب عبر فعالية خلاقة. بينما يقوم الحوار كوسيلة تعبير وناقل للأخبار ووسيلة إتصال بين البشر من خلال اللغة، يقوم بوظائف الدفع فى تقديم الحدث وتوضيح الحالة النفسية للشخصية وكشف العلاقات الدرامية بين الأشخاص وتقوم المؤثرات الصوتية بوظائف عديدة فى تحديد المكان وتحديد الزمان وتقوية التأثير والمزاج النفسى والبناء الدرامى، كما يمكن إستخدامها كأصوات دالة أو رمزية أو مستعارة. من صوت الهمس الخفيف ونبض القلب الى الصراخ العالى ودوى القنبلة يعمل المؤثر الصوتى فى السينما مرئياً ومسموعاً.

يذكر هنرى أجيل انه: (فى الاصوات كما فى الصور ثمة تقاسيم بالغة الدقة. ثمة ذبذبات لايمكن التقاطها وظواهر حميمية لها علاقه بالحياة الكونية الكبرى، سنكون قادرين على الإحساس بها إذا ما اقتربنا من المصدر الصوتى مستخدمين الميكرفون.)

تقوم الموسيقى التصويرية بإنجاز مهامها فى الشريط الصوتى بطبيعتها التخيلية وبتداخلها مع عناصر الصوت الآخرى. فهى تعمل لإضفاء الجو العام لعالم الفيلم ولوصف المكان أو الارهاص بالأحداث، ولتأكيد الإنفعال، ولإضفاء المزاج النفسى، ولتأكيد الفعل وللتعليق على الأحداث، وللتعبير عن فكر الشخصية وعن الصراع الداخلى. وللربط بين المشاهد، كما تستخدم كلحن دال Leit motive  مع شخصية معينة أو عاطفية أو فكرة أو موقف.

الصمت عنصر مهم فى الشريط الصوتى، فإن المساحة الصامتة تخلق إحساساً بوجود شئ ما معلق أو على وشك الحدوث …. كما يتيح للصورة آفاقاً تعبيرية وفنية عديدة وهو يحرر الصوت من الزامات  الأصوات الأخرى التى قد تكون أحياناً قيداً على مرئيات السرد الفيلمى.

ويعطى الصوت إمكانية معالجات جمالية لإستخدامه فى الأفلام ويفتح آفاق لإخضاعه لأساليب خاصه سواء بتحريفه أو بالتحكم فى درجته |أو شدته أو تغبير طبيعته نفسها فيما يسمى بالصوت التعبيرى مما يسهم عميقاً فى لغة السرد الفيلمى .

وهكذا تنبنى الحكايه فى الفيلم، تنسخ فى تلافيف اللغة البصرية السمعية بنيتها وتصوغ المعطى الفيلمى بواسطة مفردات هذه اللغة الغنية.

يقول جان ميترى: (إن الصورة السينمائية تظهر المادة فى مختلف تفرداتها ووحدتها وهذا ما يجعلها مختلفة عن الكلمة فى (الادب) فالفكرة إذا وجدناها فى الادب تقع خلف الكلمة، أما فى السينما لا يمكن أن نجدها مختبئة خلف الصورة، انها ستكون فى الصورة، فى نسيج تكوينها، فى الرموز التشكيليه للكادر وما بين الكادرات.

وقد لا تولد الصورة علامات أو كلمات تكون بعينها السبب الذى يؤدى الى توالد فكرة وتحولها لأخرى. فألصورة تكون ذات معنى فقط فى ذلك العالم أو الوسط الذى تتمكن فيه أن تفعل شيئا، أن تعنى معنى، كما هى المفاهيم فى السينما، المفاهيم التى تخلق الشكل والنوع ذا الحساسية المحددة فى مستوى التعبير المرئى.

يقول اكيرا كوروساوا: (يجب ان يكون لدي المخرج ما يقوله وذلك هو السبب في انه يبحث عن الشكل، المهارة، التكنيك لكي يجعله يرى النور. ولكن اذا كنت معنيا فقط بكيفية قولك الشئ دون ان يكون لديك معنى لما تقوله، حينذاك لا يمكن حتى للطريقة التى تقوله بها ان تتوصل لأي نتيجة. فالتكنيك لا يصنع إخراجا: وحين يكون التكنيك بلا سند يدعمه يسحق دائما الفكرة الأساسية التى ينبغى ان تسود.)

المراجع:

  • الفوتوغرافيا والسينما – ترجمة عن الروسي – د/ وجدي كامل.
  • تاريخ الفيلم الروسي – ديفيد اكوك – ترجمة د/ احمد يوسف
  • طبيعة الفن – سيجفريد كراكاور
  • نظريات الفيلم الكبري – بيلا بلاش
  • كتابة سيناريو الافلام القصيرة – بات كوبر وكين دانسايجر
  • السرد السينمائي/خطابات الحكي – تشكيلات المكان ومراوغات الزمن – فاضل الاسود
  • علم جمال وعلم نفس السينما – جان ميتري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من مجلة سينما – الاول من ديسمبر -2016 – العدد الاول

اصدارة غير دورية تصدر عن جماعة الفيلم السودانى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *